ذكريات على جدار الحي

إلى الحي الذي أسكن فيه

1-
الشارع

وفِي الشارعِ النائِمِ المستفيقْ ..
أحِسُّ برُوحِي كإسْفِلْتِهِ ..
نَدَاها تَسَرَّبَ بينَ الشُّقوقْ ..
ولمْ يَكُ هذا الطريقُ كهذا ..
لقد كانَ يحْمِل رُوحاً وقلباً ..
نُحسّ به ويُحسّ بنا ..
فنمشِيْ الهوينَا حَناناً عَلَيْهْ
ويَحْمِلُ خُطْوَتَنا بيَدَيْه ..
وما زلتُ أذكُرُ ..
حينَ أمَازِحُهُ : يا صَدِيقْ ..
نَموت ُوتَبقَى ..
تُحَدِّث أحفاَدنا عن خُطانا ..
وهمْ يُنْصِتون ..
كإنْصَاتنا حين حَدّثتَنا عَنْ جُدُودٍ ..
حَفِظْتَ مَواطئَ أقدامِهِمْ ..
حين كانوا يَعسُّون في ظلماتِ الدُّجَى لأداءِ الصلاةْ ..
نموتُ وتَبْقى .. !”
كذلك مازَحْتُه .. لَيْتَ شِعْرِيْ ..
فأينَ صديقي الرحيمُ الرفيقْ ..
وليس أمامي سوى قَطِرَانٍ وزَيْتٍ وقَارْ .. !
تغَيَّر هذا الزمانُ علينا ..
وماتَ الطريقْ !

 

 

-2-
البيوت

على الجَانِبَينِ ..
تُرَصُّ البيوتُ ..
كما رُصِفَتْ في العزاءِ الصُّفُوفْ ..
فيا للبيوتْ ..
تَمُرُّ بأبوابها الرِّيْحُ عَجْلَى ..
فتجْمَع منها غبَاراً قليلاً ..
وتذرو عليها غبَاراً قليلاً ..
وبينهما لُغَةٌ مِنْ سُكُوتْ ..
أُسَائِلُ أبوابَها المْغلقَاتْ ..
وهُنَّ الأنيقات ..
في حُلّة مِنْ نقُوُش ..
لماذا التزَيُّنُ للناظرينَ
إذا كانَتِ الرُّوحُ رُوحاً قبيحَةْ !
لِمَ الضِّيقُ يخنُقُ في كلِّ يَومٍ نُفُوساً ..
مَسَاكنِهُا في البيُوُتِ الفَسِيحَةْ !!
وبالأمْسِ ..
كلُّ المَصَاريعِ مُشْرَعَةٌ للضيوف ْ..
وكل المَجالسِ مشروحَةٌ كاْنِشَراحِ الصدورْ
تُحبُّ اجتماعَ الرِّجَالِ لدَيها ..
ودِفْءُ المَوَدةِ يِطْغَى عَليها ..
تُعَطِّرُه قهوةٌ وبخُورْ ..
وما عاد مِنْ صِلَةِِ الأمْسِ إلا ..
غَليلُ النُّفوسِ ..
وشُحُّ الكفوفْ !

 

 

-3-
الشبابيك

سُجونٌ ..
سُجونْ ..
وفي كُلِّ زِنزانةٍ ثَمَّ رُوحٌ ..
يُعَذِّبُها الصَّمْتُ حَدَّ الجنونْ ..
ويمتَصُّ منها رَحيقَ الحَياةِ ..
إلى أن تَجِفَّ ..
وتذوي كَمَا يَابِسَاتِ الغُصُونْ ..
تُطِلُّ الشَّبِابيكُ صَامتةً
فأقْرَؤُ فيها كَلاماً أليماً ..
عَمِيقَ الشُّجُونْ ..
لأنّ الشبابيكَ مثلُ العُيُونْ ..
وحِينَ تفيضُ الدموع بِها ..
وتهْمِيْ .. تَئِنُّ بأوصَابِها ..
إذا بالستائر تُرْخِي عليها قِماشاً غَليظاً ..
لئلا تبَوُح ..
لأنَّ الستائر مِثلُ الجفونْ !

 

 

-4-
المسجد

وبينَ يَدَيْكَ وَقَفْتُ بشِعري ..
وكلُّ الزمانِ بداركَ واقِفْ !!
مهِيبٌ وَقارُك يا شَيْخَنَا ..
إذا ما أصَخْتُ السَّمَاعَ له ..
سَِمعتُ صدىً فِيْ أقاصي كياني ..
له لحْنُ جُرْحٍ ..
وغُربَةُ رُوحٍ ..
وزَفرةُ نَازِفْ ..
تُراكَ تَحِنُّ لأصْحَابِكَ الأقْدَمِينَ ..
شُيُوخٌ قد اشْتَعَلَ الشَّيْبُ مِنْهُمْ ..
مَجَالِسُهُمْ في الصُّفُوفِ الأوَائلِ ..
تَسْبِيْحُهُمْ كهَدِيلِ الحَمَامْ ..
وفي كُلِّ عامْ ..
يَمُرُّ الفَنَاءُ ..
ويأخُذُ شَيْخاً نَقياً تَقياً ..
كثيرَ الدعاءِ قليلَ الكلامْ ..
لقد مَاتَ جَدِّي ..
وصَاحبُ جدي ..
وإذ بالمَصَاحِفِ تسألُني عَنْ أخِلاّئِها ..
أما عَادَ فيكم خَليلُ المَصَاحِفْ ..؟!”
لقد سَرَق الوَقتُ أخيَارَنا ..
وإذ بهديلِ الحَمَائِمْ يَخْفُتُ
شَيئاً فشَيئاً ..
ويعلُو عليهِ رَنينُ الهَوَاتِفْ !
أشَيْخِي الجَلِيل ..
أما زِلْتَ تذْكُرُ ذاك الحَصِيرْ..
وقْد كَانَ يَرْفَعُنا للعُلَى ..
لأنَّ الحَصِيرَ غنيٌّ فَقِيرْ ..
ويَمْضِي الزمانُ ..
وتغْدُو المَسَاجِدُ مثلَ المَتَاحِفْ ..
ثُرَيَّا ..
مَحَارِيبُ مَبنيَّةٌ مِنْ رُخَامْ ..
يُلَوِّنُها صَخَبٌ وزَخَارِفْ ..
وما كُنْتُ أعْرِفُ في مَسْجِدِ الأمْسِ ..
إلا الحَصِيرَ ..
وعُنْقُودَ نُورٍ يُدَلَّى مِنَ الخُلْدِ حِينَ نُصَلِّي ..
فتَمْتَدُّ تَأخُذُه كَفُّ قَاطِفْ ..!

 

 

أحمد المنعي

 

 

 

Advertisements

10 تعليقات to “ذكريات على جدار الحي”

  1. جميلة البكري Says:

    .
    .
    حديث المسجد هنا ,, أحفظه عن ظهر قلب منذ نشر للمرة الاولى في الساخر قبل اعوام،،

    ربما للصدق الذي يكتنفه،،

    ولأنه ذات الحديث الذي يحدثنيه كل مسجد أزوره..
    .
    شكرا لقلمك
    .

  2. أحمد المنعي Says:

    جميلة البكري ..

    أنعم وأكرم ، وأهلا بك .
    ولو أسْمَعتكِ من حديث نفسي لنفسي ، لسمعتِ أن “حديث المسجد” أقرب ما في النص إلي وأصدقه .

    يسعدني ما قرأته في مرورك ، وتشرفني كثيراً متابعتك .
    طابت أوقاتك .

  3. AisHaH Says:

    :

    :

    :

    :

    أتنقل بصمت .. هنآ و هنآ ..

    ثق بـ أنني متآبعة لك ..

    حتى ولو لمـ … أعلّق .!

    //

  4. Noura ☺ Says:

    يا ألله
    يا كم حبيت هالقصيــده صار لي فيها ذكريات على إنها مكتوبه كذكرى :”

  5. على الشدوى Says:

    شكرا ا اخى احمد

    فقط اردت تسجيل حضورى الاول هنا

  6. د.قلمـ Says:

    صدفة أتيتُ إلى هنا .. وعندما انتهيت .. همست : لم تزل شاعراً ساحراً…

    زادك الله من فضله وبارك فيك..

  7. د.قلمـ Says:

    ^
    أهلاً بك أيها الملك المغلوب هنااااك..

    لعلك لم تنتبه أنه (وطنٌ يضم فكرين) ،
    وأنها خطاي هناك..
    حياك الله دوماً ولا تثريب عليك ..

    ثم ألا تفكر أن تضع جداراً فارغاً لنشخبط عليه دون أن نشوه صفحات الشعر رائعة الجمال!

    دلال*

  8. سعيد بن ناصر Says:

    روعة عسل المجرا،،أو عيق الحبق الفائح في جلة ،،او الريحان في غراز صبية جرشية

  9. أحمد المنعي Says:

    AisHaH
    أهلاً بك أختي عائشة.. معليش الرد بعد سنة لكن أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي مرة:p

    Noura
    حياك نورة.. شكرا لك.

    على الشدوى
    هلا بك علي.. شرفتني كثير.

    د.قلمـ
    هلا دلال.. وضح اللبس والمعذرة.
    نورتي.

    سعيد بن ناصر
    ردك فائح بالعطور.. كتبت لي الجنوب كله يا دكتور.. شكرا جزيلا.

  10. أكرم النجفي Says:

    أحسنت واجدت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: